روائع الشعر العراقي/عبدالحسين الازري/ماذا حدا بك فاعتزمن رحيلا/ج1
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
ماذا حدا بك فاعتزمت رحيلا
وتركت مصر إلى القضا والنيلا
أرأيت أعباء الحياة ثقيلة
أم صرت من مطل الزمان ملولا
أم رحت من جَور القويِّ مغاضباً
أم قد وجدت مدى الجهاد طويلا
حاشاك لم نعهدك إلا صارماً
قد أرهفته يد الخطوب صقيلا
ثبت الجنان لو انَّ ماضي عزمه
لاقى ذرى جبلٍ لخر مهيلا
وإذا ارتقى أعطى المنابر حقها
لا يستعين بكل قولٍ قيلا
تصغي مسامعهم إليه كأنما
يلقي عليها الوحي والتنزيلا
وتحدق الأبصار فيه كغائص
في لجةٍ يستكشف المجهولا
ويهزهم طرباً بليغ خطابه
فكأنه غيث أصاب محولا
يتدبرون بكل معنى حجة
وبكل رأيٍ يرتأيه دليلا
حتى كأن الله شاءك داعياً
في أرض مصر وحامياً وكفيلا
لم أدر إذ ذهب الردى بك مسرعاً
وبفقد مثلك لا يزال عجولا
ما ضر لو كان افتداك بخائن
قدر فدى بالكبش إسماعيلا
أزعيم وادي النيل كيف تركته
ظهراً أجب وساعداً مشلولا
ومضيت عنه وفي فؤادك حاجةٌ
أن لا تغادر في البلاد دخيلا
حفوا بنعشك والعيون دوامعٌ
حتى غدا من فيضها مبلولا
وتزاحمت أيديهم وشفاههم
ذي فوقه ضماً وذي تقبيلا
وكأنما التجأوا إلى أعواده
لما رأوك بقلبه محمولا
أوقعتهم في حيرةٍ من أمرهم
وتركتهم لا يهتدون سبيلا
فلذا رأينا غير رزئك هيناً
ولذا رأينا الخطب فيك جليلا
لا غرو إن أبدى القوي شماتةً
فلقد هتكت حجابه المسدولا
وأريته في أرض مصر مناعةً
وبسالةً وكياسةً وعقولا
ما انفك يومك في خصومك عاصفاً
حتى قضيت فعاد بعد بليلا
هم كلما عجموك زدت صلابة
تأبى على حكم القوي نزولا
وتهيبوك وأنت فردٌ واحدٌ
والفرد مثلك يستحيل قبيلا
حتى إذا قطعوا الرجاء استنصروا
في خذلك التهديد والتهويلا
طوراً يقيمون الضجيج وتارةً
يستعرضون الجيش والأسطولا
والخيل تعثر بالحراب كأنما بحث وتقديم ناطق ابراهيم العبيدي